شهد الاقتصاد المصري في عهد جمال عبد الناصر اتسم بالثنائية: فمن ناحية، شهد إنجازات عملاقة كالسد العالي، ونقلة صناعية واجتماعية غير مسبوقة، وتحسنًا في العدالة الاجتماعية. ومن ناحية أخرى، واجه تحديات أبرزها تراجع قوة الجنيه المصري، تضخم حجم الديون، وتباطؤ النمو عقب حرب 1967. وهكذا، فقد وضعت تجربة ناصر الأساس لاقتصاد موجه تقوده الدولة، لكنه ترك تركة ثقيلة من الالتزامات المالية والهيكلية التي أثّرت على العقود التالية
الإصلاح الزراعي وبداية التحول
مع وصول جمال عبد الناصر إلى الحكم بعد ثورة يوليو 1952، كان أول ملف اقتصادي يتعامل معه هو قضية الأرض.
ففي عام 1952 صدر قانون الإصلاح الزراعي الذي وضع حدًا أقصى لملكية الأراضي الزراعية بـ 200 فدان للفرد، ما أدى إلى إعادة توزيع ملايين الأفدنة على صغار الفلاحين.
هذه السياسة رفعت مستوى العدالة الاجتماعية لكنها في الوقت نفسه قللت من حجم الاستثمارات الزراعية الكبيرة التي كانت قائمة.
التصنيع والتأميم وبداية المشروعات الكبرى
شهدت فترة الخمسينيات والستينيات طفرة صناعية مدفوعة بسياسات الدولة. فقد تبنّت الحكومة خطة خمسية أولى (1960 – 1965) ركزت على إقامة صناعات ثقيلة مثل الحديد والصلب والأسمنت والغزل والنسيج.
كما اتخذ ناصر قرارًا تاريخيًا بتأميم قناة السويس عام 1956، وهو ما وفّر لمصر موارد ضخمة موّلت بناء السد العالي، أحد أبرز المشاريع القومية التي ضمنت استقرارًا مائيًا وكهربائيًا لعقود تالية.
أداء الجنيه المصري والديون الخارجية
في بداية عهد ناصر، كان الجنيه المصري من أقوى العملات عالميًا، حيث بلغ سعره نحو 2.3 دولار أمريكي، وكان يتم تداوله في بعض الدول العربية كعملة صعبة.
ومع ذلك، فإن السياسات الاقتصادية التي اعتمدت على التوسع في القطاع العام وزيادة الاقتراض لتمويل المشروعات القومية أدت إلى ضغوط تدريجية على العملة.
ظهور السوق السوداء
ورغم أن السعر الرسمي للجنيه ظل قويًا على الورق، فإن قوته الشرائية تراجعت مع نهاية الستينيات وظهرت السوق السوداء للعملات الأجنبية.
ارتفاع الدين الخارجي
وعلى صعيد الدين الخارجي، ارتفع من حوالي 1.3 مليار دولار عام 1962 إلى نحو 3.3 مليار دولار عام 1970، ما مثّل عبئًا متزايدًا خاصة بعد توقف إيرادات قناة السويس عقب نكسة 1967.
قوانين يوليو الاشتراكية وهيمنة القطاع العام
في 1961 أصدر ناصر ما عُرف بـ قوانين يوليو الاشتراكية، التي شملت تأميم البنوك والشركات الكبرى وتحويلها إلى ملكية الدولة.
هذه القرارات وسّعت من نفوذ القطاع العام ليصبح المهيمن على نحو 80% من النشاط الاقتصادي.
ورغم أن الخطوة عززت فكرة العدالة الاجتماعية، فإنها أضعفت من دور القطاع الخاص، وخلقت بيروقراطية ثقيلة أثرت على كفاءة الإدارة الاقتصادية.
تداعيات حرب 1967
مثّلت نكسة يونيو 1967 ضربة قاسية للاقتصاد المصري. فبجانب الخسائر البشرية والعسكرية، فقدت مصر عوائد قناة السويس بالكامل بعد إغلاقها لمدة ثماني سنوات، كما تراجعت الاستثمارات الأجنبية، وارتفعت تكاليف الإنفاق العسكري لإعادة بناء القوات المسلحة.
هذه الظروف أدت إلى ركود اقتصادي وتفاقم عجز الموازنة، ما جعل الحكومة تعتمد بشكل أكبر على المعونات العربية والاقتراض الخارجي.
المشروعات القومية والبنية التحتية
رغم التحديات، فإن حقبة عبد الناصر شهدت إنجازات تنموية كبرى فقد أسهم السد العالي في السيطرة على فيضانات النيل وتوفير طاقة كهربائية غيّرت خريطة التنمية في مصر.
كما توسعت الدولة في بناء مصانع، وشبكات طرق، ومساكن شعبية، إلى جانب دعم مجاني للتعليم والصحة، وهو ما رسخ لنهج الدولة الراعية.































































